القرطبي

312

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فاستغنى عن تعيينه . والله أعلم . ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة ، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية ، والله الموفق للهداية . الحادية عشرة - ويتعلق بالآية فصل آخر : وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول ، فإن داود عليه السلام فعل ذلك . وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى ، فقال عبد الملك ومطرف في " الواضحة " : ذلك له ما دام في ولايته ، فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك ، وهو بمنزلة غيره من القضاة . وهذا هو ظاهر قول مالك رحمة الله في " المدونة " . وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك ، وقاله ابن عبد الحكم . قالا : ويستأنف الحكم بما قوي عنده . قال سحنون : إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت ، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه ، وأما وإن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوى عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأول ، قاله سحنون في كتاب ابنه . وقال أشهب في كتاب ابن المواز إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول ، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه . قلت : رجوع القاضي عما حكم القاضي إذا تبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى . وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما ، رواها الدارقطني ، وقد ذكرناها في " الأعراف " ولم يفصل ، وهي الحجة لظاهر قول مالك . ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود ، إن كان على وجه الاجتهاد ، فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا يجوز ذلك له لان فيه مضرة عظمي من جهة نقض الاحكام ، وتبديل الحلال بالحرام ، وعدم ضبط قوانين الاسلام ، ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر ، وإنما كان يحكم بما ظهر له . الثانية عشرة - قال بعض الناس : إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره . وقال آخرون : لم يكن حكما وإنما كانت فتيا .